
منذ أن وطأت قدماي أرض الإمارات، أسرتني رائحة العود. إنها ليست مجرد رائحة؛ إنها جزء لا يتجزأ من النسيج الثقافي والاجتماعي هنا. في كل مجلس، في كل مناسبة، وحتى في الممرات العطرية للمراكز التجارية الفاخرة، يفوح عبير العود ليحكي قصصاً من الأصالة والفخامة. كعاشق للعطور، لم أستطع مقاومة سحر هذا المكون الملكي، وبدأت رحلتي الشخصية لاستكشاف تاريخه العريق، أنواعه المتعددة، وأفضل الأماكن لاقتنائه في الإمارات.
العود: ليس مجرد رائحة، بل تاريخ وتراث
لطالما ارتبط العود بالثقافة العربية والشرق أوسطية، وفي الإمارات تحديداً، يحظى بمكانة خاصة. أذكر أنني قرأت ذات مرة أن استخدام العود في المنطقة يعود لآلاف السنين، وقد ذُكر في العديد من النصوص التاريخية والدينية. بالنسبة للإماراتيين، العود هو رمز للكرم والضيافة والأصالة. إنه جزء من طقوسهم اليومية، من تبخير المنازل لاستقبال الضيوف، إلى تعطير الملابس في المناسبات الخاصة.
رحلة العود من الشجرة إلى العطر:
العود هو راتنج عطري داكن يتكون في قلب أشجار الأكيولاريا المعمرة، عندما تصاب بنوع معين من الفطريات. هذه العملية الطبيعية النادرة هي ما يمنح العود قيمته العالية ورائحته الفريدة. يتم استخراج العود بعناية فائقة، ثم يُعالج ويُستخدم في صناعة البخور، الزيوت العطرية، والعطور الفاخرة.
أنواع العود: عالم من التنوع والروائح
خلال رحلتي، تعلمت أن عالم العود أوسع بكثير مما كنت أتخيل. هناك أنواع مختلفة من العود، كل منها يحمل خصائصه العطرية الفريدة التي تتأثر بمنشأ الشجرة، عمرها، ونوع الفطريات التي أصابتها. في الإمارات، ستجد اهتماماً كبيراً بالعود الطبيعي الخالص، بالإضافة إلى تركيبات العود المعالجة.
أبرز أنواع العود التي صادفتها في الإمارات:
- العود الهندي : يُعتبر من أجود أنواع العود وأكثرها فخامة. يتميز برائحته القوية، العميقة، والخشبية مع لمحات دخانية. غالباً ما يكون باهظ الثمن ويُستخدم في المناسبات الخاصة جداً.
- العود الكمبودي : يشتهر برائحته الحلوة، الزهرية، والخشبية مع لمسة من التوابل. إنه عود متوازن ومحبوب لدى الكثيرين.
- العود الماليزي : يتميز برائحته الحادة، الخشبية، والترابية. يعتبر خياراً ممتازاً لمن يفضلون الروائح القوية والمميزة.
- العود اللاوسي : يجمع بين الروائح الخشبية والحلوة مع لمسة من الفاكهة. يُعرف بثباته العالي ورائحته الجذابة.
- العود السويوفي : نوع من العود المعالج، يتميز برائحته الغنية والدافئة، وغالباً ما يُستخدم في صناعة زيوت العود والعطور.
- العود الأبيض : على الرغم من اسمه، فهو ليس عوداً بالمعنى التقليدي، بل هو تركيبة عطرية تجمع بين المسك والعنبر والروائح الخشبية لخلق رائحة ناعمة ومنعشة، وغالباً ما تكون أقل تكلفة.
أين أجد أفضل العود في الإمارات؟ تجاربي الشخصية
البحث عن العود الأصيل في الإمارات هو بحد ذاته مغامرة ممتعة. لقد زرت العديد من المتاجر، من الأسواق التقليدية إلى البوتيكات الفاخرة، وإليكم بعض الأماكن التي تركت لدي انطباعاً مميزاً التي تضيف
1. عبد الصمد القرشي
لا يمكن الحديث عن العود في المنطقة دون ذكر “عبد الصمد القرشي”. هذه الدار العريقة تقدم مجموعة واسعة من أجود أنواع العود ودهن العود. أذكر أنني قضيت ساعات في أحد فروعهم، أستمع إلى قصص البائعين عن كل نوع من العود، وأجرب الروائح المختلفة. إنهم يقدمون عوداً معتقاً يصل عمره إلى 50 عاماً، وهي تجربة عطرية لا تُنسى. الجودة هنا مضمونة، والخبرة التي يقدمونها لا تقدر بثمن.
2. أجمل للعطور (Ajmal Perfumes)
“أجمل” هي علامة تجارية إماراتية رائدة في عالم العطور، وتشتهر بتقديمها لمجموعة مميزة من عطور العود والبخور. ما يعجبني في أجمل هو قدرتهم على دمج العود التقليدي مع لمسة عصرية، مما يجعل عطورهم مناسبة لمختلف الأذواق. لديهم أيضاً خيارات ممتازة من العود المعالج بأسعار معقولة، مما يجعله متاحاً لشريحة أوسع من الناس.
3. العربية للعود (Arabian Oud)
تُعد “العربية للعود” من أكبر الشركات المتخصصة في العطور الشرقية، ولها حضور قوي في الإمارات. مجموعتهم من العود ودهن العود والبخور غنية ومتنوعة. لقد وجدت لديهم خيارات رائعة من العود الذي يمزج بين الروائح الشرقية والغربية، مما يجعله مثالياً لمن يبحث عن لمسة عصرية للعود التقليدي.
4. سوق العطور في ديرة دبي (Deira Perfume Souk)
إذا كنت تبحث عن تجربة أصيلة، فلا بد لك من زيارة سوق العطور في ديرة. هنا، ستجد العديد من المتاجر الصغيرة التي تبيع العود والبخور والزيوت العطرية. إنها تجربة حسية بامتياز، حيث يمكنك التفاوض على الأسعار واكتشاف كنوز مخفية. نصيحتي هي أن تذهب مع شخص لديه خبرة في العود ليساعدك في اختيار الأفضل، وأن تكون مستعداً لاستكشاف العديد من الروائح قبل اتخاذ قرارك.
5. بوتيكات العطور الفاخرة (Luxury Perfume Boutiques)
العديد من بوتيكات العطور الفاخرة التي تبيع عطور النيش، مثل تلك التي ذكرتها في المقال السابق، تقدم أيضاً مجموعات حصرية من العود ودهن العود. هذه البوتيكات غالباً ما تتعاون مع صانعي عطور متخصصين لتقديم تركيبات عود فريدة ومبتكرة. إنها فرصة رائعة لاكتشاف العود بلمسة عصرية وفاخرة.
نصائحي لاقتناء العود في الإمارات:
- الجودة أولاً: لا تتردد في الاستثمار في العود عالي الجودة. الفرق في الرائحة والثبات يستحق ذلك.
- جرب قبل الشراء: دائماً اطلب تجربة العود على مبخرة أو على قطعة قماش نظيفة لتقييم الرائحة الحقيقية.
- اسأل عن المصدر: العود الأصيل يأتي من مصادر محددة. لا تتردد في السؤال عن منشأ العود.
- احذر التقليد: لسوء الحظ، هناك الكثير من العود المقلد في السوق. اشترِ دائماً من متاجر موثوقة وذات سمعة جيدة.
- العود ليس فقط للبخور: جرب دهن العود كعطر شخصي، أو استخدمه لتعطير منزلك بطريقة فاخرة.
مستقبل العود في الإمارات: نظرة شخصية
أرى أن العود سيظل جزءاً لا يتجزأ من الهوية الإماراتية، لكنه سيتطور ليواكب العصر. أتوقع أن نرى المزيد من الابتكارات في تركيبات العود، ودمجه مع مكونات عطرية عالمية لخلق روائح فريدة تجمع بين الأصالة والمعاصرة. كما أن الوعي بالاستدامة سيجعل البحث عن مصادر عود مستدامة وأخلاقية أمراً بالغ الأهمية.
بالنسبة لي، كل قطعة عود أقتنيها هي تذكار لرحلة، وقطعة من التراث، ورائحة تذكرني بجمال الإمارات وكرم أهلها. إنها تجربة تستحق أن تُعاش وتُشارك حتى تصل إلى سوق العطور في ديرة دبي


